التركيز على الإسلاموفوبيا يكشف أزمة خطاب سياسي أوروبي بديل

خطاب فرنسوا هولاند الأخير لم يكن سوى كشف واضح عن ضعف البدائل السياسية
france

 

عن: العرب الدولية

خطاب فرنسوا هولاند الأخير لم يكن سوى كشف واضح عن ضعف البدائل السياسية لتجاوز واقع فرنسا وأوروبا المتأزم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، فركز في خطابه بالأساس على الإسلام والإسلاموفوبيا والإرهاب، متناسيا ارتفاع نسبة البطالة التي تتزايد في صفوف الشباب وتناقص القدرة الشرائية وتنامي اليمين المتطرف الذي أصبحت له “مشروعية” العودة إلى السلطة من باب تسرب الإرهاب.

 

أشار فرنسوا هولاند في خطابه الأخير الذي ألقاه الخميس، إلى أن الإسلام يمكن أن يتعايش مع طبيعة المجتمع الغربي التي تتسم بالعلمانية الصارمة والحريات الفردية وقوة الدولة والقانون. ولئن أخفى هذا التصريح نوعا من التكرار لأن المسلمين قبل الأوروبيين يعلمون أنه لا تناقض بين الإسلام والعلمانية، إلا أن ذلك أعاد هولاند إلى مربع التذكير بمبادئ قامت عليها جمهوريته الفرنسية منذ قرون، وما القصد من هذا الكلام سوى ملء فراغات خطابية كي لا يتم التركيز على الإشكالات الضخمة التي تعيشها فرنسا وكامل أوروبا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

قطار يغطي آخر

يرى الباحث الفرنسي في العلوم السياسية فرنسوا بورقا أن العنصرية التي تتزايد في أوروبا ضد الإسلام والمسلمين قد تصاعدت بسرعة في الفترة الأخيرة، ولكنها في الحقيقة عميقة وقديمة في فرنسا، بعكس ما أراد هولاند إثباته.

 

وأضاف بورقا أن “العلاقة بالإسلام هنا قديمة، وهناك من السياسيين الفرنسيين من يرى في المسلمين الفرنسيين اليوم أبناء المسلمين الذين استعمرتهم فرنسا في القرن الماضي، ومن هنا مازال البعض يراهم كعدو أو كمواطنين من درجة ثانية، كما كان الحال مع الشعوب التي استعمرت وبالتالي لا يتقبلون فكرة أن يكونوا مواطنين فرنسيين بكل حقوق المواطنة.

لكن هذه الظاهرة الدفينة في النفسية العامة للفرنسيين، تخفي أمرا آخر يمارسه السياسيون اليوم، في أوروبا جمعاء، وهو اللعب على هذا اللاوعي المغروس داخل مواطنيهم كي يضخموا من معضلة الإرهاب الإسلامي المتطرف على حساب القضايا الداخلية.

 

ومنذ أشهر، لا يكاد يمر يوم في فرنسا دون تصريح لسياسي بارز، أو مقال بمجلة أو صحيفة إلا ويتحدث فيه عن الإسلام والمسلمين في البلاد. وكان خطاب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الخميس في هذا الاتجاه، غير أن خبراء سياسيين رأوا أن هذا الخطاب يحمل “نوايا حسنة” فقط ولا تتلوه أفعال، خاصة أنه على الأرض هناك سياسات تبدو متشددة من مسؤولين آخرين تجاه المسلمين.

محللون استطلعت آراؤهم لفتوا أيضا إلى أن الحديث المتكرر عن الإسلام والإسلاموفوبيا هدفه إلهاء الرأي العام الفرنسي بمشكلات غير موجودة، لحساب مشكلات عميقة في البلاد، مثل البطالة وتراجع النمو الاقتصادي، وتراجع مستوى الخدمات العامة، وهي الأزمات التي فشل هؤلاء الساسة الذين يطلقون التصريحات المعادية للمسلمين في حلها بنبرة محملة بالإسلاموفوبيا، وهي التصريحات التي اعتبرها مراقبون تهدف إلى تحقيق مآرب وأغراض سياسية معينة، وليس الغرض منها الإسلاموفوبيا في حد ذاتها.

 

تغمر فرنسا العديد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالبطالة، فمنذ أسابيع قاد الزعيم اليساري جون لوك ميلونشون حملة واسعة في فرنسا ضد قانون وزيرة العمل مريم خمري الذي ينص على إنقاص ساعات العمل بالنسبة إلى التلاميذ والطلبة وبالتالي إنقاص مداخيلهم المالية لمواصلة الدراسة. 

وقد أشعل ذلك الشارع الفرنسي بشكل عام وخاصة فئة الشباب التي ينتمي صنف كبير منها إلى اليسار الفرنسي. وقد أكد ميلونشون في العديد من خطاباته العامة في باريس وليون ومرسيليا على أن “الخطاب السياسي للمسؤولين الفرنسيين هو خطاب يميني (رغم أن الحزب الحاكم هو الحزب الاشتراكي) فهو يركز على إشكال الهوية والانتماء وخطر الإسلام أكثر مما يركز عليه اليمين ذاته، وذلك بغرض طمس رداءة الواقع.

 

هولاند الواعظ

 

خصص الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، للإسلام والمسلمين في بلاده الجزء الأكبر من خطاب ألقاه الخميس، في العاصمة باريس خلال مؤتمر حول “الديمقراطية في مواجهة الإرهاب.

وعبر هولاند في خطابه بشكل واضح عن قناعته بأن “الإسلام يمكن أن يتأقلم مع العلمانية كما فعلت قبله الديانة الكاثوليكية وكذلك اليهودية”، مضيفا أن “السؤال يطرح كذلك على الجمهورية الفرنسية، هل هي فعلا مستعدة لاستيعاب واستقبال ديانة لم تكن تتصور أنها ستكون بهذا الحجم قبل قرن من الآن؟”. وسعيا لخطب ود المسلمين، أعلن الرئيس الفرنسي عن تأسيس جمعية وطنية معنية بجمع التبرعات لبناء المساجد وتكوين الأئمة، بالإضافة إلى مؤسسة وطنية فرنسية للإسلام ستكون معنية بدعم المبادرات الثقافية والتربوية والاجتماعية. وحسب مراقبين، فإن هولاند لم يضف شيئا في هذا السياق، بل إن الرسالة التي أراد حملها وهي الدعوة إلى التعايش تكشف أن خزينة الأفكار قد نفدت لديه وأنه لم يجد سوى تكرار أفكار أصبحت بديهية وثابتة في العقول.

الرئيس الفرنسي، أكد أيضا خلال ذات الخطاب أنه ليس هناك في العلمانية ما يتعارض مع ممارسة الإسلام في فرنسا، مشيرا إلى أن “الأغلبية العظمى من مواطنينا المسلمين في فرنسا تثبت لنا كل يوم أنه يمكن لقيم العلمانية التي وضعت منذ أكثر من قرن أن تتعايش مع الإسلام.

 

وقال هولاند إنه ضد أي مشروع قانون أو تشريع في البرلمان يمكن أن يكون منافيا للدستور، في إشارة إلى تصريحات عدد من السياسيين ونواب اليمين الفرنسي الداعين إلى سن قانون يمنع ارتداء “البوركيني” (ما يعرف بالمايوه الشرعي)، على الشواطئ الفرنسية، ويمنع ارتداء الحجاب في كل الأماكن العامة. جولي اسكوا، الناشطة في شبكة مقاومة العنصرية بفرنسا، ربطت بين محاربة ظاهرة الإسلاموفوبيا وخطاب الرئيس الفرنسي وقالت إن “هناك عددا من النقاط الإيجابية في خطاب هولاند، لكنها أقرب إلى النوايا الحسنة التي لا تكفي وحدها”. وهذا ما دعى البعض من الصحف اليسارية إلى القول إن هولاند ظهر في شكل “واعظ.

 

واستدركت اسكوا بالقول “ما لم يتم تفعيل ما جاء في خطاب هولاند عمليا فلن يكون له مفعول”، قبل أن تضيف “أقل ما هو مطلوب أن يكون هناك انسجام من قبل أعضاء الحكومة والبرلمانيين المشكلين للأغلبية الحكومية مع هذا الخطاب، وأن تتوقف التصريحات والسياسات المعادية للإسلام والمسلمين بما في ذلك من قبل رئيس الوزراء مانويل فالس المعروف بعدائه للمسلمين وتصريحاته المعادية لهم بشكل متكرر وواضح.

ليست فرنسا فقط

ذات العوامل التي دعت هولاند إلى التركيز على الإسلام للتغطية على إشكالاته الداخلية، وهي بالأساس وجود إرهاب إسلامي متطرف فعلا وأيضا صعوبة إقناع الرأي العام بأن الإشكالات الداخلية معقدة، دعت أيضا زعماء أوروبيين آخرين إلى الحديث المطول عن الإسلام والإسلاموفوبيا للابتعاد عن إعلان البرامج العملية لتجاوز إشكالات البطالة والتراجع الاقتصادي والمعضلات الاجتماعية الأخرى المترتبة على هذا الواقع.

ويقول الخبير الفرنسي وأستاذ علم الاجتماع لوارن بنفو إن “هناك أسبابا مباشرة وأخرى غير مباشرة لصعود الإسلاموفوبيا في فرنسا”، ويضيف قائلا “الأسباب المباشرة مثل الهجمات الإرهابية المتكررة التي عرفتها فرنسا في الفترة الأخيرة مثل هجوم نيس الإرهابي الذي أسفر عن مقتل 86 شخصا في 14 يوليو وهو عيد الجمهورية الفرنسية”. ويشير بنفو إلى أن “هجوم نيس حمل دلالات كبيرة من حيث اختيار التاريخ، وسبقت هذا الهجوم هجمات إرهابية دموية كبيرة في باريس، أهمها كان هجوم 13 نوفمبر الماضي الذي أسفر عن مقتل 130 فرنسيا في العاصمة باريس في هجمات إرهابية متزامنة.

 

الخبير في علم الاجتماع ذهب إلى أن “تكرار هذه العمليات الإرهابية في فرنسا والتي تبناها داعش، وأخرى في دول أوروبية مجاورة مثل بلجيكا، خلق مناخا كبيرا من الخوف من المسلمين بشكل عام، خاصة أن الذين قاموا بهذه العمليات هم مسلمون فرنسيون أبناء هذا البلد، ومن الخطأ القول إنهم أجانب.

بنفو رأى أيضا أن هناك معطى ثانيا وهو أن المناخ العالمي العام يشهد تصاعدا غير مسبوق للعمليات الإرهابية في أكثر من بلد، “هذه الموجة الإرهابية العمياء تقريبا لم نعرفها من قبل، لا أحد يمكنه أن يتنبأ أين ستكون العملية الإرهابية القادمة ومن ستستهدف، وهو ما خلق مناخ خوف مستمر غير مسبوق”. وأشار إلى أن “هذا الخوف استثمره اليمين العنصري المتطرف ووظفه لصالحه، حيث أن عددا من السياسيين من اليمين كما اليسار وظفوا هذا الأمر كذلك واستغلوه على حساب المواطنين المسلمين.

 

وتعليقا على الاستغلال السياسي للإسلاموفوبيا، قال الإعلامي الفرنسي البارز قيؤوم بلي، في حديثه لإذاعة فرنسا الدولية مؤخرا، إن كل الزوبعات التي تثار بين الحين والآخر ضد المسلمين، سواء المتعلقة بالحجاب أو البوركيني، أو اللحم الحلال هي “أزمات وزوبعات إعلامية مفتعلة”. وأضاف بلي أن إثارة هذه المواضيع والاستهداف المتكرر للمسلمين المراد بهما هو إلهاء الرأي العام الفرنسي بمشاكل غير موجودة لحساب مشاكل عميقة في فرنسا، مثل البطالة وتفكك الاتحاد الأوروبي، وتراجع النمو الاقتصادي وتراجع الخدمات العمومية وتراجع القدرة الشرائية. وأوضح أن بعض الساسة أصبحوا يغطون على فشلهم في معالجة هذه المشاكل بالهروب للحديث عن الإسلام والمسلمين.

الفئات
الدولي

ذات صلة