صحيفة دولية: ديناميكية تعاون جديدة بين المغرب وفرنسا أساسها الندية

استبشرت فرنسا بعودة الدفء إلى علاقاتها مع المملكة المغربية نظرا إلى ما تمثّله من رقم صعب في معادلتها الاستراتيجية ...
صحيفة دولية: ديناميكية تعاون جديدة بين المغرب وفرنسا أساسها الندية

استبشرت فرنسا بعودة الدفء إلى علاقاتها مع المملكة المغربية نظرا إلى ما تمثّله من رقم صعب في معادلتها الاستراتيجية في أفريقيا، وخصوصا لجهة مكافحة الإرهاب وحماية مصالحها في المنطقة، وفي المغرب، الذي يعدّ الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا. وحفاظا على هذه الأهمية الاستراتيجية كان لابدّ من وضع حدّ للأزمة الدبلوماسية بين الرباط وباريس.

شكل لقاء العاهل المغربي الملك محمد السادس بالرئيس فرانسوا هولاند، بقصر الإليزي، تجسيدا واضحا للعزم الأكيد للبلدين على استئناف مسار التفاهم وضخ دينامية جديدة في العلاقات الثنائية المتجذرة في التاريخ.

ورحب الزعيمان بـ “توافر الظروف من أجل دينامية تعاون جديدة واثقة وطموحة” بين باريس والرباط “في كل المجالات”، وشددا على “قوة الشراكة الاستثنائية” التي تربط البلدين، علما بأن فرنسا هي أول شريك اقتصادي للمملكة المغربية التي تلعب دورا حاسما في الحرب على اللإرهاب في المنطقة الأفريقية.

وتدرك فرنسا التي كانت قبل شهر مسرحا لاعتداءات إرهابية، دور المغرب باعتباره شريكا هاما في محاربة الإرهاب والتطرف. ورغم التوترات بين باريس والرباط فإن التواصل بشأن القضايا الأمنية لم يتوقف تماما، خاصة وأن من بين 38 ألف مقاتل أجنبي في العراق هناك حوالي 1400 فرنسي و1200 مغربي، علما أن التحدّي رقم واحد الآن في منطقة الساحل والصحراء هو أمني في مواجهة الجهاديين ومروجي المخدرات.

وقالت أوساط فرنسية إن الهدف هو “استئناف التعاون الأمني في أسرع وقت، وخصوصا ما يتصل بمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وليبيا.

تشهد باريس بدور الرباط ودعمها للعمليات العسكرية الفرنسية في مالي في 2013 لمنع تسلل المجموعات الإرهابية إلى باماكو لتنتشر في قلب أفريقيا.

ولترجمة إحياء العلاقات، توافق الزعيمان على “برنامج مكثف للزيارات الوزارية” للتحضير “لاجتماع قريب رفيع المستوى” بين الحكومتين من المقرر أن يعقد قبل الصيف برئاسة رئيسي الوزراء الفرنسي مانويل فالس والمغربي عبدالإله بن كيران.

 

عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي

 

ما إن التقى العاهل المغربي والرئيس الفرنسي حتى بدأت عقارب ساعة العلاقات تدور في الاتجاه الصحيح. ولا شكّ في أن ما جرى خلال سنة كاملة لا يمكن أن يذوب في ساعة، لكن ما جرى خلال 2014 تم تصحيحه لأجل استمرار عجلة العلاقات، الموسومة بالاستراتيجية، في الدوران.

ولم يعد ممكنا الوقوف أمام تصرّفات بعض الجهات لإعاقة تاريخ من علاقات التواصل المتينة بين المغرب وفرنسا. وتحديات أكبر من تصرفات خارج منطق الدولة، هي التي حكمت على استئناف ما بين باريس والرباط من تفاهمات استراتيجية ولبنات تاريخية.

وصلت رسالة المغرب الحاسمة عندما أوقف التعاون القضائي مع الجهاز المقابل بفرنسا. فالدولة المغربية لم تستسغ أن يُتعامل مع من يمثّلها دون مراعاة حساسية موقعها. وكان ذلك في 20 فبراير 2014 عندما دخل مفتشو الشرطة الفرنسية سفارة المغرب في باريس لتسليم استدعاء من القضاء الفرنسي إلى مدير مديرية مراقبة التراب الوطني عبداللطيف الحموشي بدعوى أنه متهم بتعذيب مغاربة بجنسيات فرنسية بعد قضية مفبركة رفعتها منظمة “التحرك المسيحي لإلغاء التعذيب” الفرنسية.

ستقبل فرانسوا هولاند، الملك محمد السادس، الاثنين 9 فبراير الجاري، لإعطاء المصالحة الثنائية بين البلدين طابعا رسميا وعلى أعلى مستوى. وجاء اللقاء بعد توقيع اتفاق بين البلدين في 31 يناير 2014 لاستئناف التعاون القضائي، بعدما تمت مراجعة الاتفاقية المتعلقة بهذا المجال. وأكد قائدا البلدين في بيان مشترك “حيوية الشراكة المتميزة التي تربط المغرب بفرنسا، وأعربا عن ارتياحهما للاتفاق الثنائي الذي خلق ظروف تعاون قضائي أكثر فعالية بين البلدين”.

بعد عام من الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وفرنسا، والتي أدراها المغرب بحنكة، لم يرد المسؤول المغربي تعميق الخلاف أكثر، نظرا إلى حساسية التوقيت والوضع، وترك الأبواب نصف مغلقة حتى يمر هواء دافئ على تلك البرودة التي جمدت مناطق من العلاقات وليس كلها. المغرب دافع عن سيادة قراره وفق القانون الدولي، وفي الآن ذاته عينه على إعادة الثقة إلى العلاقات الثنائية. لم ينس أن رابح – رابح هي المستقبل وما طرأ يبقى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق دون خسارة إحداها.

لا غنى عن الرباط

كانت علاقة الرباط بالحزب الحاكم الفرنسي متشنجة في عهد الاشتراكي فرونسوا ميتران طيلة مكوثه بالإليزيه خمس عشرة سنة كاملة، وها هي علاقة المملكة بفرونسوا هولاند دامت سنة كاملة في برود دبلوماسي كان مقصودا بإيعاز من أطراف تعلن خصومتها للمغرب. لكن السياقات الآن تختلف، فالإيديولوجية لم تعد لها الكلمة الفصل في عالم معولم تتحكم فيه المحددات الاقتصادية والمالية والأمنية أكثر من عواطف عقدية لا تؤثر كثيرا.

وكان على فرنسا أن تتجه نحو إعادة ترتيب تعاونها مع المغرب دون تعميق الفجوة معه. وكانت أحداث شارلي إيبدو نتيجة موضوعية لإعادة الدفء إلى محور الرباط باريس. حيث أن الإرهاب من الملفات المهمة التي ناقشها الملك محمد السادس وفرنسوا هولاند، حسب البيان المشترك الذي أكد فيه القائدان “عزم فرنسا والمغرب على مكافحة الإرهاب سويا، والتعاون التام في مجال الأمن” حيث أن الهاجس الأمني أصبح طاغيا بحكم التحديات الإقليمية والدولية وتهديدات الإرهاب.

ولأهمية المحادثات التي جرت بقصر الإليزيه بين العاهل المغربي والرئيس الفرنسي وتأثيرها على مستقبل العلاقات الثنائية، أشادت البرلمانية الأوروبية، رشيدة داتي بعمل قائدي البلدين الذي سيسمح لفرنسا والمغرب بالعمل معا من جديد يدا في يد من أجل مواجهة التحديات الأمنية.

الوزيرة السابقة كانت واعية بظروف منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط والمناطق المجاورة للمحيط الأطلسي التي تمر بمجموعة من المشاكل ذات الطابع الأمني، الناتجة عن عولمة الإرهاب والتهريب وعدم استقرار بعض الدول. وشددت رشيدة داتي على أنه “في عصر ينتشر فيه الإرهاب الدولي، وتصير فيه التهديدات الإرهابية متنقلة ومتعددة الأشكال بصفة متزايدة، فإنه من مسؤوليتنا أن نوحد بشكل قوي خبراتنا، وذكاءنا ووسائلنا من أجل أمن شعبينا”.

ولم تخف وزيرة العدل السابقة، أن فرنسا تحتاج إلى المغرب في تحقيق أمنها، إضافة إلى مكافحة الهجرة السرية، وأضافت “في مبادراتنا وتعاوننا، علينا أن نتحلى بالمسؤولية وأن نتحد بالخصوص.

 

تأتي تصريحات المسؤولة الفرنسية لتؤكد أن التعاون المستقبلي بين البلدين لابد أن يعبر قنطرة الثقة والاحترام وفق أسس قوية من التعاون المتكافئ.

ما حدث خلال هذه السنة بين باريس والرباط، يجعل المغرب يتنبه إلى ضرورة تنويع شركائه الدوليين دون الاعتماد المفرط على جهة واحدة بعينها، وذلك بنهج سياسة متوازنة وبرغماتية لتصريف القرار السياسي والاقتصادي والأمني، حتى يتسنى لصانع القرار الدفاع عن المصالح الحيوية بشكل فعال ودون الارتهان بمقاربة ورؤية وحيدتين.

والحقيقة التي أصبحت الدولة الفرنسية مقتنعة بها، هي أن المغرب بوابة إلزامية للمرور نحو أفريقيا والشرق الأوسط.

وليس خافيا ما تمثله أفريقيا لفرنسا على جميع الأصعدة، الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية. كما أن الرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند ملزم بتفعيل حقيقي لشعار كان قد رفعه يؤكد فيه أن البحر الأبيض المتوسط “يوحدنا ولا يفرقنا”.

الفئات
أقلام

ذات صلة